
ومدت يدها المرتجفة لتلمس وجهي، وكأنها غير مصدقة أنني لا أنوي أو لومها. أومأت برأسي ببطء، وعيناي تدمعان رغم قسوة اللحظة، وأجبتهام بصوت حنون ملؤه الشجن:
* “عرفت كل حاجة يا مريم.. وعرفت إنتي كنتي شايلة هم إيه، وإزاي كنتي مرعوبة إن السر ده يتكشف ويدمرنا كلنا. سامحيني إني ما حسيتش بيكي، وإني بدال ما أكون سندك، كنت ضاغط عليكِ أكتر.”
انفجرت مريم في البكاء مجدداً، ولكن هذه المرة وهي تلقي بنفسها في أحضاني، وكأن حملاً هائلاً قد انزاح عن صدرها بعد سنوات من كتمان الرعب والوحدة. قالت بصوت مشئوج وسط شهقاتها:
* “والله العظيم يا عمر ما كنت مخبية عنك إلا خوفاً على بيتنا وعلى أخوك.. كنت خائفة العيلة تتقطع، وخايفة أسرار البيت تتفضح، وكنت بحس بالدوخة والإغماء الحقيقي من هول الصدمة والخوف لما بشوفه قدامي وبتذكر الكارثة دي!”
ضممتها إلى صَدري بقوة، وسمحت لدموعي أن تنزل صامتة. لقد انتهى عصر الشك والظنون، لكن الكارثة الحقيقية لم تنتهِ بعد؛ فسر خالد وأختها لا يزال قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في أي لحظة، وخالد نفسه غارق في مشاكله حتى أذنيه.
لكنني في تلك اللحظة أدركت شيئاً واحداً: أن بيتي وزوجتي هما خط الدفاع الأول والأخير بالنسبة لي، وأننا مهما واجهنا من أسرار مظلمة ومصائب، فلن نتخلى عن بعضنا البعض.
مرت الأيام التالية ثقيلة وبطيئة كأنها دهور. كنت أتعامل مع مريم بحب واهتمام مضاعف، أعوضها عن كل لحظة شك عشتها وعن كل خوف تذوقته بسببي. أما خالد، فقد قاطعت زياراته تماماً لمنزلنا، ورفضت الرد على مكالماته لفترة طويلة، محذراً إياه بلهجة قاطعة من الاقتراب من محيط بيتي مرة أخرى حتى يحل مشاكله بنفسه دون أن يجرنا إلى دائرته المظلمة.
ظننت أن العاصفة قد هدأت، وأننا بدأنا نلتقط أنفاسنا ونعيد بناء حياتنا الهادئة.. لكن يبدو أن الأسرار الكبرى لا تموت بسهولة، وأن ما خفي كان أعظم بكثير مما تخيلته في أسوأ كوابيسي!
في ليلة ممطرة وباردة، وبعد منتصف الليل بفترة طويلة، كنا نائمين في هدوء، فجأة.. انقطع التيار الكهربائي عن الشقة بأكملها، تلاه صوت دقات جرس الباب العنيف والمتتالي بطريقة أثارت الرعب في قلوبنا!
استيقظت مفزوعاً ونظرت إلى الساعة، وكانت الفجوة تقترب من الثالثة صباحاً. نظرت إلي مريم التي كانت ترتجف خوفاً وتتشبث بيدي وهي تهمس بصوت مرعوب:
* “عمر.. مين اللي بيخبط في الوقت المتأخر ده وبكل جنون؟!”
لم أرد عليها، بل ارتديت ملابسي بسرعة وسرت بخطوات بطيئة وحذرة نحو باب الشقة، وقلبي يقرع في صدري كطبول الحرب. وضعت يدي على مقبض الباب، وسألت بصوت منخفض وحاد:
* “مين؟!”
جاء الصوت من خلف الباب.. صوتاً نسائياً غريباً، متهدجاً، ويملؤه الصياح والدموع وهي تقول بانهيار تام:
* “افتح يا عمر أرجوك.. أنا أخت مريم! والحقنا.. خالد أخد مني كل حاجة و.. وانتحر!”
تجمد الدم في عروقي، وفتحت باب الشقة بسرعة جنونية وأنا أكاد أترنح من الصدمة. كانت تقف أمامنا فتاة منهارة تماماً، وجهها شاحب، وملابسها مبعثرة، وتبكي بحرقة لدرجة أنها لم تكن قادرة على الوقوف بثبات. ما إن رأت مريم حتى انطرحت أرضاً أمامها، وصرخت بصوت يمزق القلب:
* “الحقينا يا مريم.. خالد خلاص.. راح!”
صرخت مريم صرخة مرعبة أيقظت جدران الشقة، وهرعت نحوها وهي غير مصدقة ما تسمعه، بينما وقفت أنا في مكاني عاجزاً عن النطق أو حتى التنفس. سألتها بصوت خافت ومتحشرج لا يكاد يخرج من حلقي:
* “انتحر إزاي؟! بتقولي إيه إنتي كمان؟!”



