اعمال

حكايات بسمه 2

وقفت من طولي والترابيزة كلها اتهزت.
— علب بيضا؟! أنا كنت ببعتلها علب بيضا مع الأكل؟! دي كدابة! أنا عمر ما دخل بيتي أصلًا أي مواد غريبة، كل اللي كنت ببعته صواني وبس!
رحمة مسكت إيدي وقعدتني بسرعة وهي تبص حواليها برعب:
— اهدي يا مدام هبة، اهدي الناس بتبص علينا! أنا عارفة إنها كدابة، بس الكلام ده اتسجل في محضر التحقيق الرسمي، والمشكلة إن جوزك شهد مع أخته وقيد الكلام ده ضدك! قال للنيابة إنه مكانش يعرف اللي جوه العلب، وإنك كنتِ بتقوليلهم دي “بهارات خاصة” بتحطيها عشان تدّي طعم للأكل البيتي!
حسيت بكهربا سرت في جسمي كله، ودماغي بقت بتلف. الجبن والندالة وصلوا بيه إنه يلبس مراته وأم بنته قضية شروع في قتل وتسمم عشان ينقذ نفسه وأخته؟! بقى يضحي بيا عيني عينك عشان يخرج هو صح؟!
صرخت بصوت واطي ومحروق:
— البهارات! علبة البهارات البيضا! يا ابن… ده هو اللي جابلي علبة بلاستيك بيضا من ست أشهر وقاللي دي بهارات مشكلة جايبها من عطار مشهور في الحسين، وقاللي حطي منها معلقة صغيرة على وش كل صينية بشاميل أو محشي قبل ما تطلع عشان بتفرق في الريحة! أنا كنت بحط منها بحسن نية وهو اللي كان مديهالي بنفسه!
رحمة شهقت وغطت بوقها بإيدها:
— يا نهار أسود… يعني هو اللي كان بيديكي المادة بنفسه على إنها بهارات، عشان بصماتك إنتِ اللي تكون على العلبة، وإنتِ اللي تكوني بتضيفيها بإيدك للأكل؟! ده كان مرتب لكل حاجة من أشهر! كان بيجهز الكبش اللي حيتضحى بيه لما اللعبة تتكشف!
مسكت رأسي بإيدي الاتنين وجسمي كله بيترعش من البكاء والقهر. سنة كاملة وأنا بشتغل زي العبدة في المطبخ، من الفجر للمغرب، عشان أخدمهم وأوفر من قوت بنتي، وهو بيبني لمشنقتي المشنقة خطوة خطوة بكل برود!
رحمة طلعت نوتة صغيرة من شنطتها وقالتلي بثبات:
— مدام هبة، مفيش وقت للدموع. الضابط مستنينا في قسم الشرطة، واستدعائك بكرة الصبح قدام النيابة هيبقا فيه قرار حبس احتياطي لو مأثبتناش العكس. لازم نتحرك فورًا.
— نثبت العكس إزاي وهما الاتنين متفقين عليا وشاهدين ضد بعض وفي المحضر؟!
رحمة قربت مني وقالت بصوت واطي جدًا:
— العلبه البيضا دي… لسه عندك منها في المطبخ؟
فكرت ثواني وقلت:
— أيوه! باقي فيها حبة صغيرين في قعر العلبة، موجودة في درف التوابل فوق البوتاجاز!
— حلو أوى! والعلبة دي جوزك جابها إزاي؟ أطلعها منين؟ فاكرة اليوم ده؟
غمضت عيني ورجعت بذاكرتي لورا… ست شهور. يومها جه متأخر بالليل وكان معاه كيس أسود، وقالي: “دي بهارات شغل، صاحب المحل بيدهالي عشان نطور طعم الأكل”.
قلت لرحمة:
— يومها جابها في كيس عليه اسم عطارة مشهورة في وسط البلد، وكان في فاتورة جوه الكيس رميتها في باسكت الزبالة، بس هو كان دافع بالفيزا بتاعته! أنا فاكرة كويس إنه اشتكى إن الفيزا سحبت مبلغ كبير بالغالط يومها!
رحمة ابتسمت نص ابتسامة فيها تحدي:
— كشف حساب الفيزا بتاعته! لو قدرنا نوصل لكشف حساب البنك بتاعه عن الشهر ده، ونثبت إنه اشترى من المحل ده بنفسه في التاريخ ده، ونحلل باقي العلبة اللي عندك ونقارنها باللي اتلقت في الأكل المسموم… المحامي يقدر ينسف كلامهم قدام النيابة!
ما كدبتش خبر. أخدت رحمة وجرينا على بيتي. دخلت الشقة وأنا حاسة إن جدرانها بتخنقني. الشقة اللي عشت فيها سنين مخدوعة. دخلت المطبخ بسرعة وفتحت الدرفة، إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها للعلبة البيضا. مسكتها وحطيتها في شنطتي فورًا.
وفجأة… سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب الشقة!
رحمة مسكت في إيدي برعب ووقفت ورايا. الباب اتفتح، ودخل شخص مكانش يخطر على بالي أبدًا!
مكانش الشرطة… ولا كان جوزي.
كان الراجل الشريك بنفسه! معاه اتنين طوال وعراض، ودخلوا الشقة وقفلوا الباب وراهم بالمفتاح!
وقف الشريك يبصلي بابتسامة خبيثة، وقال بصوت يقطع الخلف:
— أهلاً يا مدام هبة… كنت عارف إنك هترجعي الشقة عشان تدوري على حاجة تنقذك. بس للأسف، إنتِ تأخرتِ خايف أقولك إن اللعبة كبرت أوي عليكي وعينك مش هتشوف النور تاني!
رحمة صرخت:
— إنت دخلت هنا إزاي؟! اطلع بره وإلا هطلب الشرطة!
الراجل ضحك بصوت عالٍ ومسح على وشة، وطلع من جيبه مجموعة مفاتيح وشاور بيها:
— الشرطة؟ الشرطة تدور عليكي إنتِ يا حلوة اللي هربانة من الشغل وبتحاولي تتجسسي. المفاتيح دي جوزها ادهاني الصبح في التخشيبة، عشان أجي وآخد “الورق” اللي يخصني بنفسي قبل ما النيابة تحط إيدها على الشقة!
قرب مني خطوة وهو بيمد إيده:
— هاتي الشنطة يا مدام… هاتي العلبة والملفات اللي معاكي بالذوق، بدل ما أخليهم ياخدوها بطريقتهم، وساعتها مش هتشوفي بنتك تاني أبداً!
رجعت خطوة لورا وضغطت على الشنطة بحضني بكل قوتي. بنتي كانت كل اللي بييجي في بالي، وعيون الشريك والراجلين اللي معاه كانت بتقول إنهم مش هيترددوا يخلصوا مني ومن رحمة في ثانية لو أخدوا العلبة والملفات.
رحمة كانت واقفة جنبي، جسمها بيترعش، بس ذكاؤها يسوز بلد. بصتلي بطرف عينها وغمزتلي غمز خفيفة، وفجأة صرخت بأعلى صوتها:
— الحريقة! الحقونااااي حريقة في المطبخ!
في أقل من ثانية، رحمة مسكت طاسة الزيت اللي كانت على البوتاجاز ورمتها على فوطة المطبخ الناشفة اللي جنبه وولعت الولاعة، النار مسكت في الفوطة وفي ستارة المطبخ في لحظة، ودخان أسود كثيف بدأ يملى المكان والإنذار بتاع الشقة اشتغل وصرخ بصوت زمر هائل.
الرجالة اتلخبطوا، والشريك اتفاجأ بالدخان اللي ملى الطابق، وزحف الدخان خلاهم يتراجعوا ناحية الباب عشان يعرفوا يتنفسوا. في اللحظة دي، رحمة زقت الشريك بكل قوتها، ومسكت إيدي وصرخت:
— جري يا مدام هبة!!
جرينا من وسط الدخان، خرجنا من باب الشقة المفتوح ونزلنا على السلم بنجري زي المجانين، وصوت زمارة الإنذار جايب آخر الشارع. البواب والجيران بدأوا يخرجوا على السلم متخضين، ومحدش من رجالة الشريك قدر يلاحقنا وسط زحمة الناس ودوشة الحريقة اللي رحمة عملتها.
خرجنا للشارع ونفسنا مقطوع، صعدنا أول عربية تكسي قابلتنا، وقلت للسواق بلهفة ورعب:
— اطلع على قسم الشرطة بسرعة!
أول ما وصلنا القسم، رحمة كانت ماسكة إيدي وبتهديني. دخلنا مكتب رئيس المباحث، وكان هو نفس الضابط اللي قبض على جوزي. أول ما شافنا وشاف منظارنا المبهدل والدخان اللي على هدومنا، وقف من على الكرسي وقال بزعيق:
— فيه إيه اللي حصل؟! إنتوا إزاي تخرجوا وتجازفوا كده؟
حطيت العلبة البيضا والملفات على مكتبه، ودموعي نازلة مش قادرة أوقفها:
— يا باشا.. جوزي سلم مفاتيح شقتي للشريك! حاولوا ياخدوا العلبة دي مني بالعافية في بيتي! العلبة دي فيها باقي البهارات المسمومة اللي جوزك كان بيديهالي بنفسه عشان أحطها في الأكل!
الضابط بص للعلبة بذهول، وبعدين بص لرحمة اللي طلعت موبايلها وقالت:
— ومش بس كده يا فندم.. أنا سجلت صوت الشريك وهو جوه الشقة وبيقول إنه أخد المفاتيح من جوزها في التخشيبة، وبيشهد إنه جاي يمسح الأدلة!
الضابط اتصل فورًا بالمعمل الجنائي وبقوة شرطة، وأمر بطلب كشف حساب الفيزا الخاص بجوزي من البنك المركزي بشكل عاجل، وتحفيز قوة للقبض على الشريك بتهمة التهجم واقتحام منزل وإتلاف أدلة قضية جارية.
خلال ساعات قليلة، كانت الأمور بتتغير بسرعة المرور. نتيجة تحليل العلبة البيضا جات من المعمل الجنائي، وأكدت إن المادة هي نفس السم الكيميائي اللي اتوجد في وجبات المقاولات! وفي نفس الوقت، وصل كشف حساب الفيزا، وفيه عملية شراء من العطار بوسط البلد بنفس قيمة المادة بتاريخ محدد قبل أربع شهور باسم جوزي!
النيابة استدعت جوزي وأخته والشريك اللي اتقبض عليه في كافيه قريب وهو مستني الأخبار.
جلسة مواجهة تاريخية جرت جوه النيابة. وكيل النيابة حط كشف الفيزا وتقرير المعمل الجنائي والتسجيل الصوتي قدام جوزي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى