منوعات

حكايات امانى السيد 2

وقفت سمر قدام التليفون، والهدوء اللي نزل عليها فجأة كان يرعب أكتر من أي صراخ. شالت إيدها من على وشها، ومسحت دموعها بظهر كفها بقوة، وبصت للتليفون بنظرة حادة زي. مكنتش شايف فيها الزوجة المكسورة اللي كانت بتبكي من شوية، بل ست تانية خالص، ست ظهرت فيها غريزة الدفاع عن بيتها وعن أطفالها اللي بيتهددوا بسبب طيش راجلها.
أشارت لي بإيدها إني أسكت وما أنطقش بكلمة، وقربت من الميكروفون وقالت بصوت ثابت، نبرته تقطع الشك باليقين: “اسمعني كويس يا نذل أنت وهو.. الصوت اللي أنت سامعه ده صوت أم أولاده، الست اللي أنت فاكر إنك جوزها بيها عشان تبتزوه وتسرقوا فلوسه”.

الخط سكت من الناحية التانية لحظة، وصاحبي اتفاجئ، بس حاول يسترد ثقته بنفسه ويرد ببرود خبيث: “أهلاً يا أم الأستاذ.. كويس إنك عرفتي، عشان تساعيه وتبقوا عارفين حجم المصيبة اللي جوزك حط نفسه وحطكم فيها، الراجل مضى على إقرارات ومؤخر، وأهل البلد مش هيسيبوا حق بنتهم، والورق رسمياً يوديه السجن أو يدفع اللي عليه بالتي هي أحسن”.
ضحكت سمر ضحكة حادة ومختصرة، وقالت له: “ورق إيه وإقرارات إيه يا حلو؟ أنت فاكر نفسك بتتعامل مع ناس هفأ؟ أنت ورطت راجل مغفل وجريته ورا شهوته، وافتكرت إنك مسكتنا من الإيد اللي بتوجعنا. بس أنت نسيت حاجة مهمة أوي.. أنت بتتعامل مع واحدة عاشت في السوق وعارفة القوانين وعارفة أمثالك كويس. الورق اللي معاك ده، واللي مضى عليه تحت التدليس والنصب، بليّة وشرب ميتها! والمكالمة اللي أنت بتتكلم منها دي تسجيلها شغال من أول ثانية، وكل كلمة تهديد وابتزاز بتنطق بيها دلوقتي بتثبت قضية تشكيل عصابي ونصب وتدليس عليك وعلى أهل العروسة اللي استغلوا البنت عشان يسددوا ديونهم!”.

صاحبي سكت خالص، والارتباك بدأ يظهر في نبرة صوته لما رد: “تسجيل إيه وتدليس إيه؟ الورق رسمي وممضي ببياناته!”.
ردت عليه بثقة يرعب: “ارمي الورق ده في وش اللي أدوك إياه.. ولو شفت وشك أو وش حد من أشباهك قرب من باب بيتي أو اتصل بالتليفون ده تاني، البلاغ في النيابة العامة بتهمة النصب والابتزاز ومحاولة محو جرايم ديون بالقوة هيكون متقدم الصبح باسمك وبأسماء أهل البنت. وأنت عارف كويس أوي إنك أول واحد هتتجاب من قفاك لأنك الوسيط والعراب للعملية دي كلها.. أعلى ما في خيلكم اركبوه!”.
وقبل ما ينطق بأي كلمة ثانية، راحت قافلة الخط في وشه، ورزعت التليفون على الترابيزة بقوة هزت المكان.
أنا كنت قاعد على الأرض بباوعلها بذهول، مكنتش متخيل إن الست اللي أنا خنتها وكسرت قلبها وجبت لها العار والمشاكل لحد بيتها، هي اللي هتوقف في وش الضبع اللي كان نهبني وركبني الهم.

لفت سمر وشها ليا. الهيبة والثبات اللي كانت بتتكلم بيهم مع الخاين تبخروا في ثانية، وحل محلهم وجع وضياع لا يوصف. بصتلي بنظرة كلها كره وقرف وحزن متجمع في عين واحدة.
قالت لي بصوت واطي ومتقطع: “أنا عملت كده مش عشانك.. ولا عشان بحبك، أنا عملت كده عشان ولادي ما يشوفوش أبوه مجرور في السجون بسبب غبائه وشهوته. أنا حميت اسم العيلة دي اللي أنت طينته بالتراب”.
قمت وقفت بالعافية، وجيت أمد إيدي عشان أقولها إني آسف وإنها برقبتي، لكنها رجعت خطوة لورا ورفعت إيدها في وشي كأنها بتبعد عني قذارة.

“إياك تلمسني” قالتها بصوت يشبه الفحيح. “أنت انتهيت بالنسبة لي يا إبراهيم. الراجل اللي كنت بفتخر بيه وبقول ده سندي، مات النهاردة. أنت بقيت مجرد غريب عايش معانا في نفس البيت لحد ما نشوف المصيبة دي هترسي على إيه. الفلوس والورق ده هنسويه ونشوف المحامي هيعمل فيه إيه، ورجلك ما تطأش الأوضة دي تاني.. أنت هتنام في الصالة زي الأغريب، ولما القصة دي تخلص، كل واحد فينا هيشوف طريقه، ولادي مش هيتحرموا من أبوهم، بس أنت حرمت نفسك من مراتك للأبد”.
سابتني ومشيت ودخلت أختها وقفلت الباب بالمفتاح، وسمعت صوت بكائها المكتوم اللي كان بيقطع في قلبي حتة حتة.
قعدت في الصالة على الكنبة، الضلمة مالية المكان. حاسس بإهانة وخزي ما حسيتهمش في حياتي. صاحبى اللي وثقت فيه طلع تعلب ونصاب، والبنت اللي جريت ورا جمالها طلعت فخ ومصيبة، ومراتي الأصيلة اللي هي الوحيدة اللي وقفت تسند البيت من الانهيار، وهي في نفس الوقت اللي أعلنت وفاتي في قلبها.

مرت الأيام اللي بعد كده كأنها كابوس ملهمش آخر. كنت بطلع الصبح الشغل وأرجع، مفيش كلمة بتتقال بيني وبين سمر غير في حدود الأولاد والأكل. كان البيت هادي بشكل يرعب، هدوء يسبق العاصفة. الأولاد كانوا بيحسوا بالتوتر، يسألوني: “بابا هو أنت وناما متزاعلين؟”، وكنت بأكل في نفسي وأتحسّر وأنا بحاول أبتسم في وشهم وأقولهم مفيش حاجة.
بعد أسبوعين من الاتصال، وفي الوقت اللي كنت فاكر إن التهديد اختفى وإن كلام سمر طيّرهم، صحيت في يوم على صوت خبط قبيح وعالي على باب الشقة.

فتحت عيني بسرعة، وخرجت للصالة، لقيت سمر واقفة ورا الباب وخايفة. الخبط كان هيخلع الباب من مكانه، وصوت طالع من برة بيزعق ويشتم باسمي.
قربت من عين الباب السحرية وشوفت المصيبة الأكبر.. مكنش صاحبي، ولا أهل العروسة بس.. كان واقف برة أخو العروسة ومعاه اتنين بلطجية ماسكين أوراق في إيديهم، وبيتواعدوا إنه لو ما فتحتش الباب هيدشوه وهيفضحوني وسط العمارة والشارع كله.

كان الخبط على الباب نازل زي المطارق، والصوت القبيح اللي برة بيتردد في السلم كله، والجيران بدأوا يفتحوا بباب شققهم عشان يفهموا إيه الهوجة اللي شغالة على الصبح. كانت نبرة أخو العروسة مليانة غل وتهديد، والبلطجية اللي معاه بيخبطوا بشوم وسلاسل على الباب الحديد، وبيصرخوا بعلو صوتهم: “افتح يا نصاب! افتح يا اللي خدت عرضنا وضحكت على أختنا ورميتها وشربت حقنا! والله ما طالعين من العمارة دي إلا وأنت متكلبش يا إما دافع حق الورق والمؤخر اللي عليك بالقرش والدشمة!”.

الولاد صحيوا من النوم مرعوبين، وبدأوا يبكوا ويجروا على سمر، يمسكوا في جلبابها وهم مستخبيين وراها. سمر كانت واقفه، جسمها كله بيرتعش من الخوف والكسرة، مش خوفاً على نفسها، لكن خوفاً من الفضيحة قدام الجيران ومن المنظر اللي الولاد شايفينه. بصتلي بنظرة مليانة حسرة، كأنها بتقولي: “شفت النتيجة؟ شفت القذارة اللي جيبتها لحد باب بيتنا وولادنا شايفينها بعينيهم؟”.

أنا الدم اتجمد في عروقي. كان جسمي بيترعش من القهر والعجز. مسكت مقبض الباب وكنت هفتحه وأخرج أطحن فيهم أو أخليهم يموتوني ونخلص من الكابوس ده، بس سمر جرت عليا ومسكت إيدي بقوة، وزقتني لورا وصوتها وطي جداً وهي بتقول بصوت مخنوق من العياط: “إياك تفتح! أنت عاوز تعمل مجزرة قدام الولاد؟ عاوزهم يشوفوك مقطوع ولا محبوس؟ ارجع لورا وسيبلي التليفون ده!”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى