
ساد الصمت في المكاتب الفخمة لثوانٍ معدودة. كنت باصة لحازم وهو قاعد قبالي، المنظر كان يوجع أي أم.. ابني اللي سهرت عليه الليالي وعرقت عشان أخليه باشمهندس، قاعد مكسور ومطأطأ الراس، والدموع نازلة من عينيه بغير حساب.
رفع عينه في عيني، وبدأ يتكلم بصوت مبحوح ومتقطع:
“طلقتها يا ماما.. طلقتها بعد ما كشفتها على حقيقتها. لما عرفت إن الألفين جنيه اللي كنا حاسبينها ليكي بقت 40 مليون جنيه في حسابك، وشكها اتغير، وطمعها بان للعمى. جت تحسب معايا المبلغ، وتقولي ‘أمك كبرت ومش هتعرف تصرف الملايين دي كلها، لازم نتصرف ونخليها تكتبلك الشقة والشركات بعقود بيع وشراء!’.. ولما رفضت وبقيت أصرخ فيها، قالتلي بالحرف: ‘لو مش هتجيب حقنا من أمك، يبقى مالكش عيش معايا!’.”
أخد حازم نفس عميق وكمل وهو بيتمسح في دموعه:
“ساعتها بس، حسيت إن ربنا ضربني على وشي يفوقني من الغفلة. افتكرت الوقفة اللي وقفتيها عشاني، افتكرت لما كنت بمرض وتجري بيا في أنصاص الليالي على المستشفيات وأنتي حافية، افتكرت لما حرمتي نفسك من اللقمة عشان تدفعيلي مصاريف هندسة.. افتكرت كل ده وقارنته باللي عملته فيكي عشان خاطر واحدة طمعانة وأب هرب مني 15 سنة ورجع عشان ينبش في جيب ابنه!”
فضل حازم يبكي بكسرة، وجثى على ركبه قدام مكتبي، ومسك إيدي يحاول يبوسها وهو يرجوني:
“أنا مش جاي عشان أطلب منك مليم يا ماما.. والله العظيم ولا عايز جنيه واحد من الأربعين مليون ولا عايز القسط ولا الشقة! أنا طردت عبد السميع ومراته من حياتي نهائياً، وطلقت شيماء ورميت لها مؤخرها، وشقتي للبيع عشان أسدد أقساطها ورجعت سكنت في أوضة صغيرة بالإيجار. أنا جاي بس أترجاكي تقبلي اعتذاري.. جاي أقولك سامحيني عشان أعرف أعيش، عشان لو مت بكره أقابل ربنا وأنا مش شايل دعوة أم مظلومة!”
كنت باصة له، وقلبي بيتقطع مية حتة. غريزة الأمومة جوايا كانت بتصرخ وتقولي “خديه في حضنك”، بس العقل والكرامة كانوا بيحذروني؛ الجرح كان عميق، والإهانة اللي اتأهنتها على ترابيزة العشاء في ليلة العزومة كانت لسه شريطها بيتعرض قدام عيني كلمة بكلمة.
قمت من على الكرسي، ووقفت قدام الشباك الزجاجي الكبير اللي بيطل على العاصمة. قُلتله وأنا مدية له ضهري بصوت هادي بس مليان شجون:
“قوم يا حازم.. قوم اقف على رجلك، الراجل ما بينزلش على ركبه إلا لربنا.”
وقف حازم وهو بيمسح دموعه بيمين وشمال، مستني مني كلمة يبل بيها ريقه.
لتفت له وقُلت:
“أنا مسامحاك يا حازم.. مسامحاك كأم، لأني عمر ما قلبي يدعي عليك أو يتمنالك الشر. بس المسامحة حاجة، والرجوع للقديم حاجة تانية خالص. الفلوس دي فلوس ربنا بعتهالي تعويض عن المذلة الشقاء، وأنا قررت أديرها بنفسي. مش هدي لك قرش صاغ تشتري بيه راحك أو تسدد بيه أقساطك.. انت اللي عملت الحسبة دي، وانت اللي لازم تشيل شيلتك وتدفع تمن قراراتك بنفسك زي أي راجل مسؤول.”
حازم هز راسه بالقبول وهو بينتحب:
“موافق يا ماما.. والله موافق ومستعد أشتغل ورش إضافية وشغل ليل ونهار عشان أعتمد على نفسي، بس أرجوكي.. بلاش تقطعي معايا. خليني أشوفك، خليني أعدي عليكي أخدمك وأجيبلك طلباتك، مش عشان فلوس، عشان ربنا يرضى عني.”
بصيت في عينيه ولقيت فيها صدق وانكسار بجد، بس في نفس اللحظة اللي كنت هرد فيها عليه، الباب بتاع المكتب اتفتح فجأة بغير استئذان!
دخلت ميرفت مرات عبد السميع، وشها كان أصفر وبترتعش، ووراها الأمن بتوع الشركة بيحاولوا يمنعوها.
صرخت ميرفت أول ما شافتني أنا وحازم:
“الحقنا يا حازم! الحق أبك يا ابني! عبد السميع اتقبض عليه في كباريه ومكان قمار غير ترخيص، والبوليس واخدينه وعاملين له قضية كبيرة وفي كمبيالات قديمة اتفتحت عليه ورايح في داهية! والشرطة بتدور عليك أنت كمان عشان كنت ضامن له في بعض الورق من غير ما تعرف!”
حازم اتصدم ووشه اتغير، وأنا وقفت مكاني وبصيت لميرفت بابتسامة نصر سردتها السنين.. الحساب القديم بدأ يتفتح كلياً!
وقفت في مكتبي بثبات تامة، والسكوت عمّ المكان كأنه صمت . بصيت لميرفت اللي كانت واقفة عند الباب وشها زي الليمونة المعتصرة، أيديها بترتعش من الخوف والغِل، ووراها رجال الأمن واقفين مستنيين إشارتي عشان يرموها برة العمارة.
عبد السميع.. البني آدم اللي سابني زمان غرقانة في ديونه، اللي رهن الشقة القديمة ومشي بجلابيته، اللي هرب 15 سنة ولا سأل عن لقمة عيش يدخلها لبق ابنه، جاي النهاردة يستغيث بسبب ديون القمار من جديد! سبحان الله، ابن آدم ده ما بيتغيرش، والشبكة اللي غزلها بجهله وطمعه، جه الوقت اللي تلتف فيه حوالين رقبته.
حازم اتسمر مكانه، عينيه راحت بيني وبين ميرفت، ووشه اتقلب كأنه شرب شربة ميه نار. صوته طلع مخنوق ومشحون بالصدمة:
“ضامن؟ ضامن إيه يا ميرفت؟ أنتي بتقولي إيه؟ عبد السميع مضاني على إيه من ورايا؟”
صرخت ميرفت وهي بتبكي بدموع نفاق ورعب:
“يا حازم يا ابني افهم! أبوك كان مزنوق الشهر اللي فات في مبلغ كبير لأصحاب القعدة، وقالك امضالي على الشيك ده عشان أجدد رخصة العربية أو آخد قرض بسيط يسندنا في الشقة الإيجار! أنت مضيت وأنت مش دريان، والراجل أخد الورق ورماه في القمار ولما خسر، أصحاب الفلوس بلغوا والنيابة نازلة تقبض على الضامن والمستفيد! البوليس بيدور عليك يا حازم، وأبوك مقبوض عليه من الصبح في المحضر!”
حازم حط إيده على دماغه وصرخ بعلو صوته:
“يا نهار أسود! مضاني على شيك على بياض! قاللي ده إقرار لشركة الكهرباء عشان ينقلوا العداد باسمه! يا ابن…!”
مسك حازم شعره وبقى يلف حوالين نفسه في المكتب زي المجنون، الدنيا اسودت في وشه كلياً. قسط الشقة اللي كان طالع عينيه فيه، وطلاقه من شيماء، وكسرة قلبه قدام أمه، جه فوقهم كابوس بسبب أبوه اللي حن له في غفلته!
ميرفت زقت رجال الأمن وجت جريت على مكتبي، اترمت تحت رجلي محاولة تمسك في طرف فستاني وهي بتصرخ بصوت جايب أخر الدور:
“الحقيه يا حجة منال! الحقيه يا ست الكل! الفلوس معاكي كتير، الأربعين مليون ما ينقصوش حاجة لو دفعتي نص مليون ولا مليون نطلع بيهم عبد السميع ونحموا ابنك حازم من ! حازم ابنك هيدخل يا منال! استرينا الله يسترك!”
نفضت رجلي منها ببرود شديد، ورجعت لورا خطوتين وأنا ببص لها بقرف واشمئزاز. الست اللي كانت قاعد في العزومة بتهز غوايشها الدهب وتبتسم بخبث لما ابنها كان بيحسبلي ألفين جنيه، الست اللي قالتلي ‘يا فتاح يا عليم قصة من عشرين سنة جاية تفتحيها ليه’، جاية النهاردة تتمرغ تحت رجلي عشان أطلعها هي وطليقي من القذارة اللي عايشين فيها!
قُلتلها بصوت واطي بس يرن زي الجرس في الصالة:
“قومي اقفي يا ميرفت.. ما أصلها مش لايقة عليكي الشحتة والمرمغة دي. أين الغوايش الدهب؟ وأين الضحكة الصفرا بتاعت ‘الراجل تعبان ومحتاج علاج و10 آلاف فوق المعاش’؟ أين الشبحنة والأصول؟”
ميرفت فضلت تبكي وتخبط على فخادها:
“جل من لا يسهو يا حجة! كنّا عميان والطلسم كان على عينينا! عبد السميع هو اللي وزني، هو اللي قاللي الست دي معندهاش قرش ومجلحة ولازم نطلع من الواد بأكبر سبوبة! سامحيني يا أم حازم، أنا ست مريضة ومليش حد غيره!”
التفت لحازم اللي كان قاعد على أقرب كرسي كأنه جثة هامدة، وشه أبيض كلياً وعينيه مبرقة في الفراغ.
قُلتله بصوت صلب:
“سمعت يا باشمهندس؟ سمعت الهانم اللي كنت جايبها تقعد في صالتك وبتؤمرني أعملها بط ومحشي وأشتريلها مانجو وكرز من الغالي؟ سمعت البني آدم اللي أديته 10 آلاف من شقاك ورميت أمك بألفين جنيه كان شايفك إيه؟ كان شايفك ‘سبوبة’! مجرد سبوبة يمص دمها وينصب عليها وميمشيش إلا لما يخرب بيتك ويدخلك !”
حازم رفع راسه والدموع نازلة من عينيه زي المطر، صوته كان طالع بالعافية:
“عندك حق يا ماما.. عندك حق في كل كلمة قولتيهالي.. أنا استاهل.. استاهل بالجزمة، واستاهل واستاهل كل اللي يجرالي.. أنا بعت الصافية اللي صانتني، واشتريت اللي باعوني ورموني زمان.. أنا مش هطلب منك مليم يا ماما.. لو هسجن بسبب الشيك ده، هروح وأنا ساكت، ده عقاب ربنا ليا في الدنيا عشان عرفت تمن حسبتي غلط!”
بصيت للمحامي بتاعي اللي كان واقف متابع الموقف بكل هدوء.
قُلتله: “أستاذ هشام.. اتصل بالعميد رئيس مباحث الأموال العامة، وشوف موضوع الشيك ده إيه وقيمته كام ومنين طلع.”
حازم بصلي بلهفة ورجاء، وميرفت قامت بسرعة تحاول تمسك إيدي، بس أنا شورتلها بإيدي إنها تقف مكانها وما تقربش.
قُلت لحازم وأنا واقفة بكبرياء وشموخ:
“أنا مش هسيبك تتسجن يا حازم.. مش عشان خاطر عينيك، ولا عشان أنساني اللي عملته.. لأ! أنا هحميك عشان اسمي وعرقي اللي جرى في دمك، عشان المهندس اللي طلعتك بيه بشقايا وعرقي على الأرصفة ما يتدنسش في السجون بسبب واحد نصاب وقمار. أنا هطلعك أنت من المحاضر دي زي الشعرة من العجين.. إنما عبد السميع؟”
التفت لميرفت وابتسمت ابتسامة هادية جداً مليانة تحدي:
“عبد السميع هيترزق باللي يستاهله.. والقانون هيتاخد مجراه، والكمبيالات القديمة اللي رهن بيها الشقة ديون القمار بتاعة زمان، المحامي هيقدمها للنيابة النهاردة عشان تتضم للقضية الجديدة! عبد السميع مش بس هيتسجن في الشيك، ده هيتقفل عليه من كل حتة لحد ما يقضي الباقي من عمره ورا القضبان!”
ميرفت صرخت بصوت هيستيري:
“لا يا منال! لا يا مفترية! حرام عليك الراجل كبير ومريض ومش هيستحمل !”
قُلتلها بثبات صلب:
“هو اللي افترى على نفسه يوم ما رهن بيته ورمى ابنه وعاش 20 سنة يأكل في حرام وسحت! والألفين جنيه اللي كنتم شايفينها كتير عليا، هي اللي هتدفعوا تمنها النهاردة ذل وكسرة!”
شورت لرجال الأمن: ” ارموا الست دي برة الشركة، وإذا عتبت باب البرج تاني، اعملوا لها محضر إزعاج وتعدي.”
الأمن مسكوا ميرفت من دراعاتها وهي بتصرخ وتدعي وتتمسكن، وجروها لبرة المكتب والصوت بدأ يختفي بالتدريج في أروقة العمارة.
فضلت أنا وحازم والمحامي في المكتب. المحامي أخد التليفون وبدأ ينسق مع المعارف في النيابة والمباحث عشان يطوق أزمة الشيك المزمع توقيعه من حازم.
المحامي بصلي بعد دقائق وقال:
“يا حجة منال.. الشيك طلع بقيمة 700 ألف جنيه، أصحاب صالة القمار غير المشروعة هم اللي كاتبيين المبلغ، وحازم ماضى كضامن بالفعل، بس الشيك صادر من حساب عبد السميع المغلق.. يعني القضية أصلها تزوير ونصب واستغلال غفلة، وإحنا نقدر نثبت إن حازم تعرض لخديعة ونطلعه بكفالة فورية ونخليه شاهد إثبات ضد أبوه والصالة!”
حازم حط وشه في الأرض وبكى بحرقة، مكنش مصدق إن أمه الست اللي هانها ورمالها الفتات، هي الوحيدة اللي واقفة بفلوسها ونفوذها وكرامتها تحميه من حبل ، بينما أبوه ومراته كانوا بيسحبوه للمشنقة.
قربت من حازم، ووقفت قدامه، صوته كان طالع بكسرة:
“أنا أسف يا ماما.. أنا أسف على كل لحظة وجعتك فيها.. أنا مستعد أعيش تحت رجليكي خدام طول عمري بس سامحيني من قلبك.”
بصيت له بكل جدية وقُلت:
“الدفاتر القديمة اتقفلت يا حازم.. وأبوك هيترمي في وياخد جزاء سنين النصب والقمار. ومراته شيماء اللي طردتك وأهانتك راحت لحالها.. لكن الحسبة الجديدة لسه مخلصتش. فلوسي وشركاتي ملكي أنا، وأنت من النهاردة مالكش عندي إلا كلمة ‘ابني’ لو أثبت بجد إنك اتعلمت الدرس.”
حازم رفع عينه وهو بيمسح دموعه: “يعني إيه يا ماما؟”
قُلتله بصوت قوي وموجز:
“يعني هتبدأ من الصفر يا باشمهندس.. من تحت خالص! الشقة اللي بالإيجار هتسيبها، والقروض اللي عليك هتسددها من شغلك وعرقك. أنا هرفع عنك كابوس عبد السميع والقضية دي وهدفع مصاريف المحامين والكفالة من جيب الخاص، لكن مش هدي لك جنيه واحد جاهز. أنت هتيجي تشتغل في شركة المقاولات بتاعتي، بس مش مهندس استشاري ولا مدير مشروع.. هتبدأ مهندس موقع تحت التمرين براتب عادي جداً زي أي مهندس يتخرج النهاردة، وتثبتلي إنك راجل يستاهل يحمل اسم أمه اللي تعبت عليه!”
حازم عينيه برقت بدموع الفرحة والامتنان، وقف بسرعة وباس إيدي ورأسي بكل خشوع:
“موافق يا ماما! موافق بأي شرط! والله العظيم لو شغلتيني عامل نظافة في الشركة هبقى فرحان ومبسوط بس أكون تحت طوعك وقريب منك وتكوني راضية عني!”
في نفس الليلة، المحامي أجرى الإجراءات السريعة. النيابة استدعت حازم، وبشهادة المحامين وبالمستندات والكمبيالات القديمة اللي قدمتها، أثبتنا إن عبد السميع استغل غفلة ابنه ونصب عليه. النيابة أفرجت عن حازم بكفالة مالية دفعتها أنا فوراً، وتم إصدار أمر بضبط وإحضار أصحاب صالة القمار، وترحيل عبد السميع للسجن المركزي على ذمة قضايا التزوير والنصب والديون القديمة!
رجعت شقتي بالليل، وقعدت في البلكونة الواسعة على الكرسي الهزاز. الهواء كان نقي والهدوء يعم المكان. حسيت بوجع ضهري يقل، وكأن السنين اللي فاتت بآلامها وشقاها كانت بتدوب في لحظة العدل دي.
عبد السميع بقى ورا القضبان يندب حظه وطمعه، وميرفت بقت تشحت في البيوت وتدور على ما يأويها بعد ما الشقة الإيجار اترمت منها، وشيماء قعدت في بيت أهلها تتجرع مرارة الغل بعد ما ضاعت منها الملايين اللي كانت بتحلم بيها.
تليفوني رن.. كان حازم.
رديت بهدوء: “أيوة يا حازم.”
قال بصوت حنون، مليان احترام وأدب:
“مساء الخير يا ست الكل.. حبيت أطمن عليكي قبل ما أنام، وأقولك إني جهزت نفسي عشان أنزل الموقع بكرة الساعة 7 الصبح زي ما أمرتي.. تأمريني بأي حاجة أعملهالك وأنا جاي؟”
ابتسمت ابتسامة صافية لأول مرة من سنين، وقُلتله:
“تعالي على مهلك يا حازم.. وهات معاك مانجو وكرز.. بس المرة دي، عشان أمك هي اللي بتحبهم وهي اللي هتتدفع تمنهم من خيرها!”

